مرحبا بك عزيزي القارئ مرة أخرى في مدونتي، كما كنت قد أخبرتك سابقاً، فأني سأشارك اهتماماتي وخبراتي ههنا، ولكني كنت في حيرة من أمري من أي مدخل أبدأ، لذلك قررت أن أبدأ من مكان أعمق قليلًا: كيف نعرف ما نعرفه؟
ومن هنا بدأت فكرة هذه السلسلة.
سأبدأ في هذه المقالات بتعريف “العلم”، ومحاولة فهم كيفية عمله، وما المعايير التي يمكن أن نتبعها لنقرر ما إذا كان شيء ما يستحق أن نسمّيه علمًا أم لا، قد يبدو هذا الموضوع بديهيًا للوهلة الأولى، خصوصًا أننا نعيش في زمن أصبح فيه الوعي العلمي أكثر انتشارًا من أي وقت مضى. ومع ذلك، فإن انتشار الحديث عن العلم لا يعني بالضرورة انتشار الفهم الحقيقي له.
نرى حولنا كثيرًا من سوء الفهم لطبيعة العلم وكيف يعمل، ونرى أحيانًا هذا حتى بين أشخاص يحملون شهادات علمية متقدمة. ونرى كذلك ضعفًا في أدوات التفكير والتحليل، أو خلطًا بين الدليل والرأي، وبين المعرفة والسلطة، وبين ما نعرفه فعلًا وما نظن أننا نعرفه، ولذلك، قبل أن نتحدث عن العلم، أريد أن أعود بك إلى الوراء قليلًا، بل إلى الوراء كثيرًا.
قبل البدء
دعني أبدأ بوصف رحلتي مع هذا الموضوع؛ فربما يوضح ذلك بعض الأسباب التي دفعتني إلى الكتابة عنه.
أنا طبيب، وفي سياق مجتمعنا، لا تمثل شهادة الطب مجرد شهادة جامعية؛ فهي تحمل معها قدرًا كبيرًا من المكانة الاجتماعية. في ليبيا، كما هو الحال في كثير من بلدان المنطقة، كان ولايزال القبول الجامعي يعتمد لسنوات على نظام حكومي يسمى “التنسيب”، وقد تختلف التسمية من بلد إلى آخر؛ فقد يكون “التنسيق”، أو “التوجيه”، أو “القبول الموحد”، لكن الفكرة العامة متشابهة.
وتتربع كلية الطب البشري في هذا السلم على مكانة خاصة، بنسب قبول مرتفعة تجعلها حلمًا لدى أعداد كبيرة من الطلاب وأسرهم، وهذا يجعل من دراسة الطب أكثر من مجرد اختيار أكاديمي لدى كثير من الناس؛ فهي تصبح أحيانًا جزءًا من المكانة الاجتماعية نفسها.
ولطالما أثار هذا الأمر أسئلة كثيرة لدي، بل وكنت في أوقات كثيرة ساخطًا على هذا النظام كله. لكن هذا موضوع آخر سنتحدث عنه لاحقًا.
لنعد الآن إلى موضوعنا.
إذا أردنا أن نفهم العلم، فعلينا أن نرجع خطوات كثيرة إلى الوراء، إلى ما قبل الجامعات، وقبل المختبرات، وقبل الكتب، وقبل أن نمتلك أصلًا كلمة “علم”.
الإنسان الذي بدأ بالسؤال
أيًا كانت إجابتك عن نشأة الإنسان، سواء كنت تحمل إجابة دينية أو فلسفية أو علمية، أو كنت متشككًا ولا تزال ترى أن لدينا أسئلة أكثر من الإجابات، فهناك شيء يمكننا الاتفاق عليه على الأرجح:
كانت بدايتنا كجنس بشري متواضعة.
كنا مجموعات صغيرة تعيش في عالم تهيمن عليه المفترسات، وتحاول أن تجد لها موطئ قدم في هذا العالم الفسيح، وتبحث عن الطعام والماء والمأوى، وتحاول حماية أفرادها، وتكافح من أجل البقاء والتكاثر، بينما كان الفناء احتمالًا حاضرًا في كل لحظة.
دعنا نتخيل لوهلة أننا كنا في ذلك المشهد.
نقضي ساعات طويلة في الصيد والالتقاط، ونتحرك مع مجموعتنا بحثًا عن الطعام، ونتعلم من بعضنا أين نجد الماء، وأي النباتات يمكن أكلها، وأي الحيوانات ينبغي تجنبها.
ثم يأتي الليل.
نجتمع حول النار، ونتبادل أدوار الحراسة، بينما ينام بعضنا ويحاول الآخرون البقاء مستيقظين، قد تجد في هذا السيناريو شيئًا من الشاعرية، وربما أكون قد أضفت إليه شيئًا من خيالي، لكنني أركز على شيء آخر.
تخيل معي ما يحدث الآن.
أنت تقرأ هذه الكلمات، وفي ذهنك ربما تشكلت صورة لمشهد لم تره من قبل.
أنا أصف لك مجموعة من البشر تجلس حول نار في مكان ما، في زمن بعيد جدًا، وأنت تستطيع أن تبني في ذهنك مشهدًا كاملًا لذلك المكان، رغم أنك لم تره، وربما لم يوجد بهذه الصورة أصلًا.
أنا أستطيع أن أضع فكرة في ذهني، ثم أحولها إلى كلمات، فتصل إليك، ثم تقوم أنت بتحويل هذه الكلمات مرة أخرى إلى معنى وصورة وفكرة داخل ذهنك.
نحن لا ننقل المعلومات فقط؛ نحن نبني معًا أشياء غير موجودة أمامنا.
وهذه القدرة على استخدام اللغة والرموز لبناء أفكار مشتركة عن أشياء غائبة، أو حتى متخيلة، هي واحدة من أكثر خصائص الإنسان إثارة للاهتمام.
ومن هنا تبدأ الحكاية.
وحول النار تبدأ الأسئلة
ولعلك ما زلت تعرف هذا الشعور إلى اليوم، حين نجلس ليلًا، بعيدًا عن ضجيج الحياة اليومية، ونبدأ في الحديث، نحكي ما حدث لنا، نختلف، نتذكر، نفسر، نسأل بعضنا بعضًا.
ثم يأتي السؤال الذي لا علاقة مباشرة له بالطعام أو العمل أو النجاة: “لماذا؟”
وربما يأتي بعده سؤال آخر: “وكيف تعرف ذلك؟”
ثم سؤال ثالث:”وماذا لو كان الأمر مختلفًا؟”
هذه اللحظة الصغيرة تحمل شيئًا مهمًا جدًا، فنحن لم نعد نسأل فقط عن العالم، بل بدأنا نسأل عن أفكارنا نحن عن العالم، وهنا نقترب من الفلسفة.
تُعرّف الفلسفة في أصل الكلمة بأنها “محبة الحكمة”، لكن هذا التعريف، رغم جماله، لا يخبرنا بالكثير، يمكننا ببساطة أن ننظر إليها باعتبارها محاولة منظمة للتفكير في الأسئلة الأساسية: ما الذي يمكن أن نعرفه؟ كيف نعرفه؟ ما الذي يجعل الاعتقاد صحيحًا أو مبررًا؟ ما الحقيقة؟ وما الذي ينبغي علينا فعله؟
ربما لم تكن تلك الجلسة حول النار فلسفة بالمعنى الأكاديمي الذي نعرفه اليوم، لكنها تحمل بذرتها الأولى، ألا وهي:
أن نتوقف للحظة عن مجرد محاولة البقاء، وأن نسأل عن العالم، وعن أنفسنا، وعن الطريقة التي نعرف بها ما نظنه صحيحًا.
ومن السؤال بدأ كل شيء، لكن إذا كانت الفلسفة قد علمتنا أن نسأل، فإن سؤالًا آخر سيصبح أكثر أهمية:
كيف نعرف أن الإجابة التي وجدناها صحيحة؟
وهنا تبدأ قصة العلم.