بما أنك، عزيزي القارئ، قادر على قراءة هذه الكلمات وفهمها، فمن المؤكد أنك مررت بهذه التجربة في وقت ما، مهما كان المكان الذي ترعرعت فيه.
دعنا نستذكر معًا أيام المدرسة الابتدائية.
يومٌ جميل الطقس، وحصة الجغرافيا، وهي الحصة التي تسبق الاستراحة مباشرة. نجلس في مقاعد الصف، بينما ينهمك المدرس أو المدرسة في الشرح. معظم الطلبة نصف نيام؛ والباقي يفكر في فطوره الذي ينتظره، أو في مباراة كرة القدم التي ستبدأ أثناء الاستراحة.
يحاول المدرس أن يتأكد من انتباهنا، فيسأل:
«وكم عدد قارات العالم؟»
لكنني وأنت، عزيزي القارئ، مجتهدان ومركزان.
نرفع أيدينا بكل قوة:
«أنا… أنا!»
يشير إليك المدرس.
تجيب بثقة:
«العالم يتكون من سبع قارات: آسيا، وأفريقيا، وأمريكا الشمالية، وأمريكا الجنوبية، وأوروبا، وأستراليا، والقارة القطبية الجنوبية».
ثم أرفع يدي أنا وأقول:
«إجابة خاطئة يا أستاذ! قارات العالم خمس: آسيا، وأفريقيا، وأمريكا، وأوروبا، وأستراليا».
وهنا يبدأ عراك الطلبة المجتهدين بيننا؛ تلاسنٌ وتبادلٌ للاتهامات بالجهل، مع ثقة شديدة لدى كل واحد منا بأن إجابته هي الصحيحة.
ولماذا لا نكون واثقين؟
فكل واحد منا قرأ ذلك في أطلس جغرافي مختلف.
والمدرس، من جهته، يحاول إنهاء هذا الخلاف قبل أن يدق الجرس.
لكن دعنا نعود إلى الحاضر للحظة.
من منا كانت إجابته صحيحة؟ وكيف عرف كل واحد منا أن إجابته صحيحة؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يقودنا إلى مشكلة فلسفية عميقة:
كيف نعرف أننا نعرف؟
المثير في الأمر أن المشكلة ليست بالضرورة أن أحدنا كان جاهلًا والآخر عالمًا. ربما كان كلاهما يملك معلومة صحيحة ضمن التصنيف الذي تعلّمه، وكلاهما يملك سببًا معقولًا للاعتقاد بها، ومع ذلك كنا نتجادل وكأن أحدنا يملك الحقيقة كاملة، بينما لا يعرف الآخر شيئًا.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: ما الذي يجعل المعرفة معرفة؟
ما الفرق بين الاعتقاد والمعرفة؟
دعنا نطبّق السؤال على مثالنا.
أنا أقول: «أنا أعرف أن العالم يتكون من خمس قارات».
فتسألني: «كيف تعرف ذلك؟»
أجيبك: «لدينا في المنزل أطلس جغرافي يذكر ذلك، ويمكنني إحضاره لك».
فترد: «وكيف نعرف أن ما يقوله الأطلس صحيح؟»
أجيب: «لأنه مكتوب من قِبل خبراء».
فتسأل: «وكيف نعرف أنهم خبراء فعلًا؟ وكيف نعرف أنهم لم يخطئوا؟ وكيف نعرف أن الأطلس نفسه لم يحتوِ على خطأ؟»
وهكذا، يمكن أن نجد أنفسنا أمام سلسلة من الادعاءات والتبريرات. فكلما ظننا أننا وصلنا إلى أرض صلبة، اكتشفنا أن هذه الأرض نفسها تحتاج إلى تبرير.
فإذا كان الأطلس دليلًا، فمن أين جاءت موثوقيته؟
وإذا كان الخبراء هم سبب ثقتنا بالأطلس، فمن أين جاءت ثقتنا بأنهم خبراء؟
وإذا احتاج كل تبرير إلى تبرير آخر، فمن أين يبدأ التبرير؟ وإلى أين ينتهي؟
هنا نقترب من واحدة من مشكلات نظرية المعرفة، وهي مشكلة التبرير، أو ما يُعرف أحيانًا بمشكلة التراجع المعرفي: إذا كان كل اعتقاد يحتاج إلى سبب يبرره، فهل يحتاج ذلك السبب بدوره إلى سبب آخر؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل سنستمر في البحث عن التبرير إلى ما لا نهاية؟
سنعود إلى هذه المشكلة لاحقًا، وسنحاول أن نفهم كيف تعامل الفلاسفة معها، ولماذا لا يوجد حل بسيط ونهائي لها.
لكن قبل ذلك، علينا أن نتوقف عند سؤال أكثر أساسية:
ما الفرق أصلًا بين أن أعتقد أن شيئًا صحيح، وأن أعرف أنه صحيح؟
دعنا، عزيزي القارئ، نحاول أولًا أن نفهم معنى المعرفة.
ما هي المعرفة؟
لكي نقترب من تعريف المعرفة، علينا أن نتحدث عن ثلاثة مفاهيم مترابطة: الاعتقاد، والحقيقة، والتبرير، ولنبدأ بالاعتقاد.
الاعتقاد هو ما نظن أنه صحيح، سواء كان متعلقًا بشيء حدث في الماضي، أو يحدث في الحاضر، أو قد يحدث في المستقبل. قد تعتقد، مثلًا، أن الأرض كروية، أو أن المطر سيهطل غدًا، أو أن شخصًا ما وصل إلى المنزل، بناءً على حدس أو تجربة أو خبر سمعته.
أما الحقيقة، فهي أن يكون الشيء مطابقًا للواقع كما هو، بغض النظر عن اعتقادنا به. فقد أعتقد أن المطر سيهطل غدًا، لكن اعتقادي لا يجعل المطر يهطل. وقد أعتقد أن الأرض مسطحة، لكن اعتقادي لا يغيّر شكلها.
ثم يأتي التبرير: أي الأسباب أو الأدلة التي تجعل اعتقادنا معقولًا، وتفسّر لماذا نميل إلى تصديقه. فليس كل اعتقاد صحيح قائمًا على أسباب جيدة، وليس كل اعتقاد نؤمن به صحيحًا.
كان من أشهر التصورات الفلسفية الكلاسيكية للمعرفة أنها:
اعتقاد صحيح ومبرر.
أي أنني، لكي أعرف شيئًا ما، يجب:
- أن أعتقد أنه صحيح.
- أن يكون صحيحًا فعلًا.
- أن أملك تبريرًا أو أسبابًا معقولة للاعتقاد به.
يبدو هذا التعريف، للوهلة الأولى، مقنعًا جدًا.
فإذا قلت إنني أعرف أن باب المنزل مفتوح، فيفترض أنني أعتقد فعلًا أنه مفتوح، وأن الباب مفتوح في الواقع، وأن لدي سببًا معقولًا لذلك؛ كأن أكون قد رأيته مفتوحًا قبل لحظات، لكن هل تكفي هذه الشروط الثلاثة فعلًا؟
هنا تبدأ الأمور بالتعقيد.
هل يمكن أن يكون الاعتقاد صحيحًا ومبررًا، ومع ذلك لا يكون معرفة؟
لنفترض أنك تنظر إلى ساعة معلقة على الحائط. تشير الساعة إلى الثالثة تمامًا، فتقول:
«الوقت الآن الثالثة».
لديك سبب واضح للاعتقاد بذلك: أنت تنظر إلى الساعة.
لكن ما لا تعرفه هو أن الساعة متوقفة منذ أيام. وبمحض المصادفة، نظرت إليها في اللحظة التي كان الوقت فيها الثالثة فعلًا.
اعتقادك صحيح، ولديك سبب يبدو مبررًا، لكن هل يمكننا القول إنك كنت تعرف أن الوقت الثالثة؟
قد نتردد في ذلك، لأن وصولك إلى الإجابة الصحيحة كان قائمًا على المصادفة أكثر مما كان قائمًا على معرفة موثوقة.
هذه المشكلة ترتبط بما يُعرف فلسفيًا بـ مشكلة غيتيه، نسبةً إلى الفيلسوف الأمريكي إدموند غيتيه، الذي نشر عام 1963 مقالًا قصيرًا بعنوان:
«هل يُعد الاعتقاد الحقيقي المبرر معرفة؟»
طرح غيتيه أمثلة تبيّن أن شخصًا ما قد يمتلك اعتقادًا صحيحًا ومبررًا، ومع ذلك لا يبدو أن ما يملكه يرقى إلى المعرفة؛ لأن صحة اعتقاده جاءت بطريقة عرضية أو محظوظة.
وهنا نكتشف أن تعريف المعرفة ليس بهذه البساطة. فربما لا يكفي أن يكون الاعتقاد صحيحًا، وأن تكون لدينا أسباب تبدو معقولة، بل قد نحتاج أيضًا إلى أن تكون العلاقة بين الدليل والنتيجة أكثر موثوقية، وألا تكون صحة الاعتقاد مجرد مصادفة.
هل ستشرق الشمس غدًا؟
لربما صُدمت، عزيزي القارئ، من هذا التحول الغريب والسؤال الذي يبدو ساذجًا.
لكن إن طلبت منك أن تأخذني على محمل الجد، وأن تطرح السؤال على نفسك، فبماذا ستجيب؟
أعتقد أنك ستقول: «بالطبع ستشرق، وستشرق من جهة الشرق».
لكن لماذا أنت واثق من ذلك؟
ربما ستجيبني: «لقد أشرقت أمس، وأول أمس، وكل يوم تقريبًا منذ آلاف السنين. فلماذا لا تشرق غدًا؟»
وهذا جواب معقول جدًا من الناحية العملية.
لكن الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم طرح سؤالًا أكثر إزعاجًا:
ما الذي يضمن أن المستقبل سيشبه الماضي؟
نحن نعتمد باستمرار على ما حدث سابقًا لكي نتوقع ما سيحدث لاحقًا. نرى الشمس تشرق كل يوم، فنستنتج أنها ستشرق غدًا. نرى النار تحرق الأشياء، فنفترض أنها ستحرقها في المرة القادمة. نلاحظ أن دواءً معينًا ساعد عددًا كبيرًا من المرضى، فنميل إلى الاعتقاد بأنه سيساعد مريضًا جديدًا.
لكن هل يمكننا أن نثبت منطقيًا أن الشيء سيحدث غدًا لمجرد أنه حدث آلاف المرات في الماضي؟
هنا تظهر مشكلة الاستقراء.
فالاستقراء هو انتقالنا من ملاحظات جزئية أو تجارب سابقة إلى حكم أوسع، أو إلى توقع يتعلق بالمستقبل. وهو جزء أساسي من حياتنا اليومية ومن العلوم، لكن هيوم أشار إلى أن تكرار الحدث لا يمنحنا، بمفرده، ضمانًا منطقيًا مطلقًا بأنه سيستمر بالطريقة نفسها.
إننا نثق بأن المستقبل سيشبه الماضي، لكن تبرير هذه الثقة ليس سهلًا كما يبدو.
أنا لم أعد أعرف شيئًا
ربما، عزيزي القارئ، أصبتك بالصداع بعد كل هذه الأسئلة. وقد تقول: «إذن، لم نعد نعرف شيئًا! وأنا لا أريد أن أعرف أصلًا».
في الواقع، قد يكون هذا الشعور مفهومًا، لكنه يقودنا إلى لبنة أساسية في التفكير الفلسفي: الشك.
ربما سمعت من قبل الاقتباس الشهير لديكارت: «أنا أفكر، إذن أنا موجود».
لكن هل تعرف كيف وصل ديكارت إلى هذه النتيجة؟
كان الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت يستخدم الشك بطريقة منهجية. فكان يشك في الحواس، وفي العالم الخارجي، وحتى في بعض الأفكار التي تبدو بديهية، بحثًا عن شيء لا يستطيع الشك أن يهدمه.
فإذا كنت أشك، فلا بد أن هناك ذاتًا تقوم بهذا الشك. وإذا كنت أفكر، فلا يمكنني أن أنكر وجودي بوصفـي ذاتًا مفكرة، على الأقل في لحظة التفكير نفسها.
ومن هنا وصل إلى عبارته الشهيرة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود».
لم يكن ديكارت يقول إننا عاجزون عن إثبات أي شيء على الإطلاق، بل كان يبحث عن نقطة بداية لا يمكن الشك فيها، يمكن أن يبني عليها بقية معرفته، لكن الشك ليس الغاية النهائية.
فإذا شككنا في كل شيء إلى الأبد، فلن نصل إلى أي مكان. قيمة الشك ليست في أن يجعلنا عاجزين عن التصديق، وإنما في أن يجعلنا أكثر حرصًا فيما نصدقه، وأكثر استعدادًا لمراجعة ما نظنه صحيحًا عندما تظهر أدلة جديدة.
فالشك الذي لا يقود إلى البحث قد يتحول إلى إنكار، واليقين الذي لا يقبل المراجعة قد يتحول إلى دوغمائية.
وبينهما نحاول أن نبني المعرفة.
المعرفة ليست معصومة من الخطأ
قد يبدو لنا الآن أن المعرفة البشرية هشة، وأن كل ما نعتقد أننا نعرفه يمكن أن ينهار أمام سؤال جديد، لكن علينا أن ننتبه إلى نقطة مهمة:
كون المعرفة قابلة للخطأ لا يعني أنها خاطئة.
وكوننا لا نمتلك يقينًا مطلقًا بشأن كل شيء، لا يعني أن جميع الآراء متساوية، أو أن كل الادعاءات تمتلك القوة نفسها.
هناك فرق بين اعتقاد مبني على دليل قوي، واعتقاد قائم على حدس شخصي. وهناك فرق بين نتيجة دعمتها تجارب متكررة، وادعاء لم يخضع لأي اختبار. كما أن الاعتراف بإمكان الخطأ لا يعني أن علينا رفض كل ما نعرفه، والمعرفة البشرية ليست مرادفًا لليقين المطلق. يمكننا أن نعرف أشياء كثيرة، وأن نملك أسبابًا قوية للاعتقاد بها، مع بقائنا مستعدين لتعديلها إذا ظهرت أدلة أفضل.
ولهذا، فإن المعرفة ليست بناءً مغلقًا لا يقبل التغيير، بل هي عملية مستمرة من الفهم، والاختبار، والمراجعة، وتصحيح الأخطاء، وقد يكون من المفيد أن نتذكر هنا:
غياب اليقين المطلق لا يعني غياب المعرفة.
الوقت أمامنا لنعرف المزيد
في بداية هذا المقال، سألنا معًا:
كيف نعرف أننا نعرف؟
وربما أخشى أنني لم أصل بك إلى إجابة مريحة أو نهائية.
لقد اكتشفنا أن الاعتقاد ليس هو المعرفة، وأن الحقيقة لا تعتمد على ما نعتقده، وأن التبرير نفسه يفتح بابًا جديدًا من الأسئلة. ورأينا أن الاعتقاد الصحيح والمبرر قد لا يكون معرفة إذا كانت صحته قائمة على المصادفة. كما مررنا على مشكلة الاستقراء، وعلى اعتمادنا المستمر على الماضي لفهم المستقبل، وعلى الشك الفلسفي الذي يدفعنا إلى مراجعة ما نعتقد أننا نعرفه.
لكننا اكتشفنا شيئًا آخر أيضًا:
أن الشك في معرفتنا لا يعني التخلي عنها، وربما لا نستطيع أن نمتلك يقينًا مطلقًا في كل شيء، لكن يمكننا أن نملك أسبابًا أفضل من غيرها، وأدلة أقوى من غيرها، وطرقًا أكثر موثوقية لاكتشاف أخطائنا، وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة:
إذا كانت المعرفة البشرية قابلة للخطأ والمراجعة، فكيف استطاع الإنسان أن يبني طريقة منظمة لاكتساب المعرفة واختبارها وتصحيحها؟
كيف أصبح الشك نفسه جزءًا من طريقة للوصول إلى معرفة أفضل؟
هنا، ربما، يبدأ العلم.